الورقة البحثية الأولى
نحو تأسيس رؤية نسبانويّة للاختلاف المعرفي
المُلخص
تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تأسيسية لفلسفة التضامر كما وردت في منجز الباحث “مبادئ فلسفة التضامر” (2022م)، بوصفها محاولة فلسفية لاقتراح نموذج مفهومي جديد قادر على تفسير الاختلاف المعرفي لا بوصفه عارضاً أو طارئاً، بل بوصفه مكوّناً بنيوياً في كل أنماط التفكير الإنساني.
تنطلق الورقة من فرضية رئيسية هي: أن التبدلات الدائمة في المعرفة الإنسانية تشير إلى وجود علاقات مضمرة لا تماثل المُظهر البادي للعيان او العقل أو الاعتقاد، ولا يمكن ردّها إلى ثنائيات تقليدية (تعارض/تشابه/تباين…).
تُعيد الورقة بناء المعطيات النظرية لفلسفة التضامر من داخل النصّ المؤسس نفسه، دون تجاوزه أو إسقاط أي تصور خارجي عليه، مستثمرة المفاهيم الأصلية التي طُرحت في الكتاب، وعلى رأسها: النسبانويّة، اللاتماثل، الدلالة المحددة، والقصور المعرفي.
كما تعالج الورقة العلاقة بين المظهر والاحتمالات المضمرة، وتحلل كيف تتأسس رؤية التضامر داخل الحقول المعرفية المختلفة من الرياضيات إلى الفيزياء، ومن علم الأحياء إلى الفلسفة، دون الادعاء بإغلاق بنية “نظرية” بل بتوسيع أفق السؤال الفلسفي حول إمكان بناء نسق مفتوح لا نهائي من الاحتمالات.
أهمية البحث
تبرز أهمية هذا البحث من كونه يُعيد قراءة ظاهرة الاختلاف المعرفي بعيداً عن النزعات الحتمية أو التفسيرية النهائية، ويقترح مساراً فلسفياً يؤسس لفهم جديد يقوم على الاعتراف بالاحتمالات المضمرة، وتجاوز مطابقة الظاهر بالمضمون، ما يُعدّ إضافة فلسفية نوعية للمجال المعرفي العربي بشكل خاص والعالمي بوجه عام.
أهداف البحث
- بيان المفاهيم التأسيسية لفلسفة التضامر من داخل النص المؤسس.
- تحليل الرؤية النسبانويّة للاختلاف كما طُرحت في كتاب (مبادئ فلسفة التضامر).
- تفكيك العلاقات غير المعلنة (المضمرة) بين الظواهر العلمية والمعرفية.
- تقديم تفسير فلسفي للاختلاف المستمر في التفكير الإنساني، بوصفه بنية لا عرضاً.
- الدفاع عن التضامر كنموذج مفتوح على احتمالات غير متناهية.
مصادر البحث
يعتمد البحث مصدراً تحليلياً–نصياً صرفاً، يلتزم التزاماً كاملاً بما ورد في مرجع واحد فقط هو: مبادئ فلسفة التضامر، دون اجتهادات تفسيرية خارج النص، أو استعانة بأي مصادر نظرية أخرى.
الاطار النظري (المفاهيم)
الاعتماد الكلي على مفاهيم مثل:
- اللاتماثل
- النسبانويّة
- الاحتمالات المضمرة
- الدلالة المحددة
- القصور البنيوي للمعرفة
استخدام أمثلة واردة داخل المرجع المختار فقط (الهندسات، الفيزياء، الرياضيات، الفلسفة، علم الأحياء…) لتوضيح كيف تعمل فلسفة التضامر على تقويض الثنائيات الجاهزة، وبناء تعددية احتمالية مفتوحة.
المقدمة
تنطلق هذه الورقة من المشروع الفلسفي الذي تُقدّمه فلسفة التضامر بوصفها محاولة لتأسيس فهم جديد للاختلاف المعرفي، لا من خلال مقولات التناقض أو التشابه أو التعاكس، بل عبر قراءة العلاقة اللاتماثلية بين المظهر والاحتمالات المضمرة في فضاء دلالي نسبانوي مفتوح. وتعتمد الدراسة النص المؤسس لهذه الفلسفة إطاراً مرجعياً وحيداً، من أجل تحليل بنيتها الداخلية ومفاهيمها الجوهرية مثل المظهر (ظ)، الاحتمال المضمَر (ض)، الدلالة المحددة (د)، والاحتمال غير المتوقع (+1). ولا تُقدَّم هذه الورقة بوصفها شرحاً لما سبق، بل باعتبارها تجلّياً تضامرياً جديداً للفكرة نفسها داخل الفضاء الأكاديمي، إذ تسعى إلى إعادة بناء المعنى في سياقٍ تحليليّ يُفصح عن الفكرة من موقع آخر دون أن يُكرّرها.
إشكالية الورقة
تحاول الورقة ان تناقش الإشكاليات:
-
- ما طبيعة هذا الاختلاف المعرفي الذي لا يُحسم؟
- كيف نفهم استمرارية ظهور رؤى ونظريات تُخالف، تُباين، أو تُناقض ما سبقها؟
- هل يعود ذلك إلى محدودية في المعرفة أم إلى بنية فلسفية أعمق لم تُفهم بعد؟
- وهل يمكن لتصوّر فلسفة التضامر أن يُعيد توجيه النظر إلى هذا الإشكال انطلاقاً من المبدأ النسبانوي في المعرفة؟
هدف الورقة
أن تبني من داخل النص المؤسس لفلسفة التضامر، نموذجاً مفهومياً يفسّر الاختلاف المعرفي بوصفه بنية لا طارئاً، وأن تُبيّن كيف أنَّ كلّ نمط معرفي يُنتج مجموعة من الاحتمالات المضمرة التي لا تُطابق المظهر، بل تُجاوزه أو تُعاكسه أو تُخالفه، دون أن يُلغيه.
نقد نماذج التماثل في تفسير الاختلاف
تُبيّن الورقة أنَّ النماذج التقليدية لتفسير التعدّد المعرفي كثيراً ما تفترض وجود علاقات ثابتة قابلة للقياس، مثل: التعارض، التناقض، التشابه، أو التعاكس.
لكنّ التضامر يُصرّح أن هذه العلاقات: كلّ واحدة منها قاصرة عن أن تكون مُعبرة أو مُلّمة بالصّورة الشّاملة، ما يعني أنّ علاقة التّعاكس لا تُعبّر عن جميع الاحتمالات الممكنة ([1]).
حتى التناقض، وهو العلاقة المنطقية الأعلى في سلّم الثنائيات، لا يُمكن أن يستوعب جميع أشكال الاختلاف. فما بين نظريتي النسبية وميكانيكا نيوتن، لا توجد علاقة تناقض تام، بل علاقة اختلاف في الدلالة ومنظور التأسيس. وهذا ينطبق على أمثلة متعددة في الكتاب من الفلسفة، الفيزياء، الرياضيات، والفكر الديني.
التضامر كنموذج فلسفي تأسيسي
في قلب فلسفة التضامر تكمن البنية التالية:
ظ ı∣ ض(ح₁، ح₂، … ) +1 ⊨ د(م)
هذه الصيغة الفلسفية ليست مجرد رموز، بل تمثّل نظاماً تأويلياً كاملاً. ويمكن تفكيكها على النحو الآتي:
- ظ: المظهر، وهو التجلّي الظاهري للمعرفة أو الواقع أو الظاهرة، حسب المجال.
- ı∣: العلاقة التضامرية، وهي ليست علاقة مطابقة أو محاكاة، بل علاقة انزياح بين الظاهر والمضمر.
- ض(ح₁، ح₂، …): مجموعة من الاحتمالات المضمرة التي لا تُطابق الظاهر بل تختلف عنه اختلافاً جوهرياً.
- ⊨ د(م): الدلالة المحددة، وهي الأداة التي تنقل من المظهر إلى الاحتمالات المضمرة في فضاء نسبي غير مغلق.
- +1: احتمال غير متوقع، لا يمكن تسميته أو تصوره أو تصنيفه، ويُعبّر عن “الانقطاع المعرفي” الذي لا يُردّ إلى أي من العناصر السابقة.
مقارنة بين التضامر والديالكتيك الهيغلي
تؤكد فلسفة التضامر على أنّها ليست امتداداً للجدل الهيغلي، بل تأسيس على النقيض من منطقه الجدلي القائم على الغائية والتركيب. ففي حين يرى هيغل أنّ الحركة الفكرية تقوم على صراع الأطروحة والنقيض وانتهائهما إلى تركيب أعلى، يرى التضامر أنّ كل محاولة لإغلاق هذا الصراع في تركيب نهائي تُجهض فعل المعرفة وتُميت إمكان الاختلاف.
إنّ ما يُكتشف يُنبئ بوجود مضمر أتمّ وأكمل ينبغي السعي لاكتشافه، ولكن هذا الأتمّ لا يُغلق الباب، بل يفتحه على مضمر آخر ([2]).
1. من الجدل إلى التضامر
في الجدل الهيغلي، تُبنى الحقيقة على مبدأ التناقض، ويُفضي الصراع بين الأطراف إلى وحدة أعلى (التركيب)، وهي وحدة عقلية كلية تمتص الاختلاف في نظامها النهائي.
أما في التضامر، فالحقيقة ليست ناتجة عن تركيب، بل هي توالٍ من احتمالات مضمرة لا نهائية، لا تتحد في كلٍّ مغلق، بل تتجاور وتتفاعل دون أن تذوب في تركيب.
وهذا التحول يعبّر عن انتقال من “الجدل التاريخي” إلى “الحركة النسبانوية”، من “منطق الكلّ” إلى “منطق الإمكان”.
2. المظهر والمضمر مقابل الأطروحة والنقيض
في الديالكتيك، تتحرك الفكرة من أطروحة إلى نقيضها، ثم تُرفع في تركيب. بينما في التضامر، لا يتحرك الفكر بين نقيضين، بل بين مظهر وظلال مضمرة لا تشكل بالضرورة نفياً، بل اختلافاً نوعياً في الاحتمال.
المظهر (ظ) ليس أطروحة، والمضمر (ض) ليس نقيضاً؛ لأن العلاقة بينهما ليست تعارضاً بل تضامرا. التضامر (ı∣) ليست “ضدّاً” بل “مسافة انزياح” بين ما يَظهر وما يتخفّى.
من ثمّ، فالمعرفة عند هيغل تصعد إلى تركيب، بينما عند التضامر تتسع إلى فضاء.
هيغل يردّ التعدد إلى الوحدة، والتضامر يردّ الوحدة إلى تعدّد لا نهائي في إمكاناته.
3. الوعي والكلّ
الديالكتيك يسعى إلى تحقيق وعي كليّ بالوجود، أي إلى اكتمال المعرفة في الروح المطلق، وهو ذروة الفلسفة الهيغلية. أما فلسفة التضامر، فترى أن الوعي لا يكتمل، بل ينفتح دوماً على غيره. فكلّ مظهر معرفي يحمل داخله قصوره، أي احتماله المضمر الذي لم يُكتشف بعد.
ومن ثمّ، لا توجد “قيمة مطلقة”، بل فضاءات نسبانويّة متداخلة لا تنتهي عند تركيب شامل.
4. النتيجة الفلسفية
إن التضامر يحرّر الفكر من سلطة الغائية الجدلية، ويعيده إلى حركته الحرة، حيث كلّ معرفة تُنتج ظلّها المضمَر. فما يسميه هيغل “المركّب الأعلى”، هو عند التضامر مجرّد مظهر جديد لمضمر آخر أعمق. وما يراه الجدل “نهاية”، يراه التضامر “بداية لامحدودة”.
خلاصة المقارنة
| البند | الديالكتيك الهيغلي | فلسفة التضامر |
| منطق الحركة | تناقض → تركيب | مظهر → احتمالات مضمرة |
| الغاية | وحدة عليا مغلقة | انفتاح مستمر بلا غاية |
| العلاقة بين الأطراف | صراع جدلي | تضامر غير تماثلي |
| النتيجة | كلّ عقلي نهائي | فضاء احتمالي نسبانوي |
| موقف الفكر | ينتهي بالتركيب | يبدأ بالاختلاف |
المظهر والاحتمالات المضمرة – العلاقة غير المطابقة
تعالج فلسفة التضامر العلاقة بين المظهر (ظ) وما يُسمّى بـ الاحتمالات المضمرة (ض) بوصفها علاقة لا تماثلية. بمعنى، ما يظهر أمامنا في بنية الواقع أو المعرفة، لا يُطابق بالضرورة ما هو كامن خلفه.
تقول الصيغة التضامرية: ظ ı∣ ض(ح₁، ح₂، …)
وهنا لا يجري الانتقال من الظاهر إلى المطابق، بل إلى اللامطابق. هذا اللامطابق ليس نفياً للظاهر، بل انكشافاً للاحتمالات التي لا يُمكن أن تنشأ من داخله وفق قوانينه الظاهرة.
في أمثلة عدّة من الكتاب، مثل:
-
- انتقال الفهم من الهندسة الإقليدية إلى اللا إقليدية.
- التحول من المادية الصلبة في فهم العقل إلى تصوراته اللّامادية.
- اكتشاف عدم يقينية النظريات الرياضية كما حصل مع (راسل) و(بروير).
في كل هذه الأمثلة، ما يظهر (ظ) كان يُفترض أنه مغلق ونهائي، ولكن تمّ تجاوزه بفعل انكشاف احتمالات مضمرة (ض) لم تكن مطابقة له، «ما يُكتشف يُنبّئ بوجود مضمر أفضل أو أسوأ، وهكذا دواليك»([3]).
بالتالي، لا يمكن الاكتفاء بالمظهر في فهم المعرفة أو تفسير الظواهر، بل يجب الحفر نحو الاحتمالات الكامنة التي لا يُمكن استنتاجها من الظاهر نفسه.
تعمل العلاقة التضامرية في إطار انتظامٍ داخلي دقيق، لا يقوم على الإلزام أو الثبات، بل على توازنٍ يضبط حركة المعنى بين المظهر والمضمر من غير أن يُخضعها لتماثلٍ أو نفيٍ متبادل. فكل انتقال معرفيّ داخل فضاء التضامر يخضع لنظامٍ غير مرئيّ يحافظ على الانسجام الكامن بين الانكشاف والاحتمال، بين القيد والانفتاح، وبين الثبات والتحوّل.
ويتحقق هذا الانتظام في بنية ثلاثية الوظيفة تحفظ العلاقة من الانهيار في أحد طرفيها: فهو يمنحها اتساقاً يحول دون الفوضى، ومرونةً تتيح التحوّل، وانفتاحاً يُبقي إمكان المفاجئ (+1) حاضراً في صميم النسق نفسه. بهذا المعنى، لا تُلغِي فلسفة التضامر القوانين التي تنظّمها، بل تجعلها جزءاً من شرط الإمكان ذاته؛ إذ لا يتحقق الانفتاح إلا بوجود انتظامٍ خفيّ يضمن استمرار حركة الدلالة دون اكتمالها.
ومن هنا، يتبيّن أن انتظام العلاقة التضامرية لا يكتمل إلا بوساطة الدلالة المحددة التي تعمل كأداة تفعيل لهذا النظام الداخلي؛ فهي التي تُحوّل الانتظام من مجرد مبدأ كامن إلى آلية للفهم داخل الحقول المختلفة. فالدلالة المحددة ليست قانوناً إضافياً فوق النظام، بل هي حضوره العملي في حركة المعنى؛ بها تُوجَّه العلاقة بين المظهر والاحتمال المضمَر، وبدونها يتحوّل الانفتاح إلى تشتّتٍ لا يُنتج معرفة. وهكذا تغدو الدلالة المحددة الواجهة الإجرائية للانتظام الثلاثي الذي يحكم بنية التضامر من الداخل.
الدلالة المحددة والنسبانويّة - أداتين للفهم
الدلالة المحددة (د) هي العنصر الذي يُنظّم العلاقة بين المظهر والاحتمالات المضمرة. فهي لا تعمل على مطابقة أو تأويل، بل على تقييد وتوجيه قراءة الاحتمالات ضمن فضاء نسبي.
لذلك كُتب: «علاقة التعاكس لا تُعبر عن جميع الاحتمالات الممكنة»([4])، إلا إذا اقترنت بما أسميه: (دلالة محددة).
الدلالة المحددة تعمل بوصفها أداة تأويل نسبانوي، وليست معياراً مطلقاً.
هي، إذاً، لا تُنتج يقيناً بل تُفتح المجال نحو التعدد داخل القيود، وهي ذاتها ما تضمنه الإشارة الرمزية: ⊨ د(م) حيث إن:
د: الدلالة
م: المجال النظري أو الحقل العلمي الذي تُقيد فيه العلاقة بين الظاهر والمضمر.
أما “النسبانويّة”، فهي ليست “نسبية مطلقة”، بل تصور معرفي يُدرك أن كل تفسير أو فهم محكوم بحدود دلالية، وأن المعرفة لا تظهر إلا من داخل قيد معيّن، وليس من خارجه.
الاحتمال غير المتوقع (+1)
في قلب فلسفة التضامر تكمن الإشارة المدهشة: +1
هذا العنصر، الذي لا يوصف، لا يُتخيل، لا يُمثّل، لا يُشبَّه. إنه:
-
- احتمال خارج الحسبان
- انفتاح في النسق
- ظهور لا ينبثق من أي عنصر مضمَر أو ظاهر
لا يُسمح لنا، ضمن منطق فلسفة التضامر، أن نحدد +1 لأنه بمثابة باب منفتح على اللامتواقع الممكن الحضور او الاكتشاف مستقبلاً.
هنا يُحترم مبدأ فلسفي عميق: ” أن التفكير نفسه لا يملك السيطرة المطلقة على الممكن، بل يبقى تحت رحمة المفاجئ“.
+1 يفلت دائماً من المظهر والاحتمال، ومن النظام والدلالة، ومن اللغة ذاتها.
خاتمة: نحو أفق مفتوح لاستنتاجات غير نهائية
-
- فلسفة التضامر لا تُقدّم نموذجاً نهائياً للمعرفة، بل تفتح أفقاً تأويلياً لتفكيك وهم الثبات واليقين.
- كل رؤية، وكل نسق، وكل معرفة، تتضمّن في داخلها احتمالات مضمرة لا تُطابقها.
- المعرفة ليست سيرورة تراكمية فقط، بل انكشافات غير متوقعة لما لم يُفكر فيه.
- الاختلاف ليس طارئاً، بل هو القاعدة، والمطابقة هي الاستثناء الظاهري.
- ما لا يمكن التفكير فيه ( +1 ) هو ما يضمن بقاء التفكير حياً.
إنّ فلسفة التضامر كما طُرحت في “مبادئ فلسفة التضامر” ليست وصفاً للعالم فحسب، بل موقفاً منه. إنها دعوة إلى الإصغاء للمضمر، لـ(اللامتوقع)، للذي لا يُوصف، وهي في جوهرها مقاومة مستمرة لاختزال الواقع إلى مظهر أو تفسير واحد. إنها فلسفة تكرّس “الاختلاف” بوصفه بنية متجددة، لا خللاً يجب إصلاحه.
آفاق البحث المستقبلية
تفتح فلسفة التضامر آفاقاً بحثية متعددة لكونها لا تطرح نسقاً مغلقاً، بل إطاراً فلسفياً قابلاً للتطبيق في ميادين مختلفة من المعرفة. ويمكن توجيه الجهود اللاحقة نحو ما يأتي:
-
- في المنطق والرياضيات: اختبار البنية التضامرية بوصفها نموذجاً لتفسير العلاقات غير التماثلية في النظم اللاكلاسيكية، وتحليل كيفية تمثيل الاحتمالات المضمرة ضمن فضاء معرفي مفتوح.
- في فلسفة العلم: دراسة التحولات الكبرى في تاريخ العلوم من منظور تضامري، للكشف عن البنية المضمرة وراء الانتقالات المفاهيمية بين النماذج العلمية.
- في التأويل وفلسفة اللغة: تطبيق مبدأ الدلالة المحددة على تحليل الظواهر اللغوية والنصية، بوصفها علاقات تضامر بين ما يُفصح عنه النص وما يتوارى خلفه من احتمالات.
- في الفلسفة الأولى والأنطولوجيا: تطوير رؤية تضامرية للوجود تقوم على العلاقة بين الظاهر والممكن غير المفكَّر فيه، وتعيد تعريف مفهوم الإمكان في ضوء الاحتمال المفتوح.
بهذه الاتجاهات، تبقى فلسفة التضامر مشروعاً حيّاً قابلاً للتوسّع، إذ تُؤسس لفهمٍ جديد للمعرفة يقوم على حركة الاحتمالات المضمرة، لا على اكتمال النسق أو نهائيته.
إمكان التطبيق
على الرغم من أنّ هذه الورقة تنتمي إلى الطور التأسيسي لفلسفة التضامر، فإنّ بنيتها المُصاغة تتيح انتقالها لاحقاً إلى مستوى التطبيق ضمن الحقول العلمية والإنسانية. فحيثما وُجد مظهرٌ معرفي يَكشف عن قصوره أو تناقضه الداخلي، يمكن للصيغة التضامرية: [ظ ı∣ ض(ح₁، ح₂، …) +1 ⊨ د(م)] أن تعمل كأداة تحليل تكشف الاحتمالات المضمرة التي لا يراها النسق الظاهر. بذلك، يحتفظ التضامر بقابليته الدائمة للعبور من المفهوم إلى الممارسة دون أن يُختزل في نموذج واحد.
توقيع فلسفي
في نهاية هذا المسار، لا تدّعي فلسفة التضامر اكتمال القول، بل تدعوه إلى أن يُعاد من جديد في كل قراءة. فكل مظهرٍ هو تضامرٌ لِمضمرٍ لم يُكتشف بعد، وكل دلالةٍ تحمل في عمقها إمكاناً يتفلّت من التحديد. إنّ الفكر لا يكتمل إلا بانفتاحه، ولا يصفو إلا بما يجاوزه. لذلك، يبقى التضامر، بما فيه من مظهرٍ ومضمرٍ و(+1) مجهول، وعداً دائماً بتجدد الفهم وابتكار المعنى.
الملخّص
تقدّم هذه الورقة قراءة فلسفية تأسيسية لمفهوم فلسفة التضامر بوصفها محاولة لإعادة بناء فهم الاختلاف المعرفي خارج ثنائيات التناقض والتشابه.
تنطلق الدراسة من الصيغة التضامرية [ظ ı∣ ض(ح₁، ح₂، …) +1 ⊨ د(م)] لتحليل العلاقة اللاتماثلية بين المظهر والاحتمالات المضمرة، في ضوء الدلالة المحددة والفضاء النسبانوي. وتبيّن الورقة أن المعرفة لا تتقدّم بالتطابق أو التركيب، بل بانكشاف الاحتمالات المضمرة التي تفتح أفقاً جديداً للفكر في كل مرة. وبهذا تُقدّم فلسفة التضامر نموذجاً تأويلياً مفتوحاً يعيد تعريف الحقيقة والاختلاف ضمن نسقٍ فلسفي يقوم على الإمكان المستمر لا على الاكتمال النهائي.
كلمات مفتاحية:
فلسفة التضامر – اللاتماثل المعرفي – المظهر والمضمر – الاحتمالات المضمرة – الدلالة المحددة – الفضاء النسبانوي – الإمكان المستمر.
Abstract
This paper presents a foundational philosophical reading of the concept of Isomeric Philosophy (Falsafat al-Tadhamur), as an attempt to reconstruct the understanding of epistemic difference beyond the binaries of contradiction and similarity. The study begins with the isomeric formula:
A ı| TI(p₁, p₂, …) +1 ⊨ S(d)
to analyze the non-identical relation between appearance (A) and the trans-immanent probabilities (TI), in light of a specified semantic domain (S(d)).
It demonstrates that knowledge does not advance through identity or synthesis, but through the disclosure of non-identical hidden probabilities that continuously open new horizons for thought. Thus, Isomeric Philosophy offers an open hermeneutic model that redefines truth and difference within a philosophical system grounded in the potential for continuous emergence, rather than a final or complete resolution.
Keywords:
Philosophy of Isomerism – Epistemic Non-Identity – Appearance and Immanence – Hidden Probabilities – Specified Semantics – Relational Space-Time Domain – Continuous Potentiality.
[1] – د. نضال البغدادي، مبادئ فلسفة التضامر، بغداد، دار المتن، ط1، 2022، ص20.
[2] – مبادئ فلسفة التضامر، ص14
[3] – مبادئ فلسفة التضامر، ص16
[4] – مبادئ فلسفة التضامر، ص20